فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.المسألة الرابعة: [في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو مراد الله تعالى]:

احتج أصحابنا في إثبات أن كل ما دخل في الوجود فهو مراد الله تعالى بقوله: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون} قالوا: لأن معنى الآية أن الله تعالى أراد إزهاق أنفسهم مع الكفر ومن أراد ذلك فقد أراد الكفر.
أجاب الجبائي فقال: معنى الآية أنه تعالى أراد إزهاق أنفسهم حال ما كانوا كافرين، وهذا لا يقتضي كونه تعالى مريدًا للكفر، ألا ترى أن المريض قد يقول للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، فهذه الإرادة لا توجب كونه مريدًا لمرض نفسه، وقد يقول للطبيب: أريد أن تطيب جراحتي، وهذا لا يقتضي أن يكون مريدًا لحصول تلك الجراحة، وقد يقول السلطان لعسكره: اقتلوا البغاة، حال إقدامهم على الحرب، وهذا لا يدل على كونه مريدًا لذلك الحرب، فكذا ههنا.
والجواب: أن الذي قاله تمويه عجيب، وذلك لأن جميع الأمثلة التي ذكرها حاصلها يرجع إلى حرف واحد، وهو أنه يريد إزالة ذلك الشيء، فإذا قال المريض للطبيب: أريد أن تدخل علي في وقت مرضي، كان معناه: أريد أن تسعى في إزالة مرضي، وإذا قال له: أريد أن تطيب جراحتي كان معناه: أريد أن تزيل عني هذه الجراحة، وإذا قال السلطان: اقتلوا البغاة حال إقدامهم على الحرب، كان معناه: طلب إزالة تلك المحاربة وإبطالها وإعدامها، فثبت أن المراد والمطلوب في كل هذه الأمثلة إعدام ذلك الشيء وإزالته فيمتنع أن يكون وجوده مرادًا بخلاف هذه الآية، وذلك لأن إزهاق نفس الكافر ليس عبارة عن إزالة كفره، وليس أيضًا مستلزمًا لتلك الإزالة، بل هما أمران متناسبان، ولا منافاة بينهما ألبتة، فلما ذكر الله في هذه الآية أنه أراد إزهاق أنفسهم حال كونهم كافرين، وجب أن يكون مريدًا لكونهم كافرين حال حصول ذلك الإزهاق، كما أنه لو قال: أريد ألقى أن فلانًا حال كونه في الدار، فإنه يقتضي أن يكون قد أراد كونه في الدار، وتمام التحقيق في هذا التقدير: أن الإزهاق في حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، ومريد الشيء مريد لما هو من ضروراته، فلما أراد الله الإزهاق حال الكفر، وثبت أن من أراد شيئًا فقد أراد جميع ما هو من ضروراته، لزم كونه تعالى مريدًا لذلك الكفر، فثبت أن الأمثلة التي أوردها الجبائي محض التمويه. اهـ.

.قال السمرقندي:

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم} يعني: كثرة أموالهم؛ {وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا}.
في الآية تقديم وتأخير قال ابن عباس فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنَّما يريد الله ليعذبهم في الآخرة ثم قال: {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ}، يعني: تذهب أنفسهم وتقبض أرواحهم.
وأصله الذهاب، كقوله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] {وَهُمْ كافرون}، يعني: يقبض أرواحهم على الكفر. اهـ.

.قال الثعلبي:

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ} لأن العبد إذا كان من الله تعالى في استدراج [...] {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا} قال مجاهد وقتادة والسدّي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.
وقال الحسن: إنما يريد الله أن يعذبهم في الحياة الدنيا بالزكاة والنفقة في سبيل الله، وقال ابن زيد: بالمصائب فيها، وقيل التعب في جمعه، والوجل في حفظه وحبه.
{وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي تخرج وتذهب أنفسهم على الكفر: يقال: زهقت الخيول أي خرجت عن الحلبة، وزهق السهم إذا خرج عن الهدف، وزهق الباطل أي اضمحل، قال المبرّد: وفيه لغتان: زَهَق يزهِق وزهيق يزهق. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُم وَلا أَوْلاَدُهُمْ...}
فيه خمسة أقاويل:
أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس وقتادة ويكون فيه تقديم وتأخير.
والثاني: إنما يريد الله ليعذبهم بما فرضه من الزكاة في أموالهم، يعني المنافقين. وهذا قول الحسن.
والثالث: ليعذبهم بمصائبهم في أموالهم أولادهم، قاله ابن زيد.
والرابع: ليعذبهم ببني أولادهم وغنيمة أموالهم، يعني المشركين، قاله بعض المتأخرين.
والخامس: يعذبهم بجمعها وحفظها وحبها والبخل بها والحزن عليها، وكل هذا عذاب.
{وَتَزْهَقَ أَنفُسُهمْ} أي تهلك بشدة، من قوله تعالى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} [الإٍسراء: 81]. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {فلا تعجبك أموالهم} الآية.
حقر هذا اللفظ شأن المنافقين وعلل إعطاء الله لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها، واختلف في وجه التعذيب فقال قتادة: في الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وقال الحسن: الوجه في التعذيب أنه بما ألزمهم فيها من أداء الزكاة والنفقة في سبيل الله.
قال القاضي أبو محمد: فالضمير في قوله: {بها} عائد في هذا القول على الأموال فقط، وقال ابن زيد وغيره: التعذيب هو بمصائب الدنيا ورزاياها هي لهم عذاب إذ لا يؤجرون عليها، وهذا القول وإن كان يستغرق قول الحسن فإن قول الحسن يتقوى تخصيصه بأن تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم بسائر الرزايا وذلك لاقتران الذلة والغلبة بأوامر الشريعة لهم قوله: {وتزهق انفسهم}، يحتمل أن يريد ويموتون على الكفر، ويحتمل أن يريد {وتزهق أنفسهم} من شدة التعذيب الذي ينالهم، وقوله: {وهم كافرون} جملة في موضع الحال على التأويل الأول، وليس يلزم ذلك على التأويل الثاني. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ} أي: لا تستحسن ما أنعمنا به عليهم من الأموال والأولاد.
وفي معنى الآية أربعة أقوال:
أحدها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة.
فعلى هذا، في الآية تقديم وتأخير، ويكون تعذيبهم في الآخرة بما صنعوا في كسب الأموال وإنفاقها.
والثاني: أنها على نظمها، والمعنى: ليُعذبهم بها في الدنيا بالمصائب في الأموال والأولاد، فهي لهم عذاب، وللمؤمنين أجر، قاله ابن زيد.
والثالث: أن المعنى ليعذبهم بأخذ الزكاة من أموالهم والنفقة في سبيل الله، قاله الحسن.
فعلى هذا، ترجع الكناية إلى الأموال وحدها.
والرابع: ليعذبهم بسبي أولادهم وغنيمة أموالهم، ذكره الماوردي.
فعلى هذا، تكون في المشركين.
قوله تعالى: {وتزهق أنفسهم} أي: تخرج.
يقال: زهق السهم: إذا جاوز الهدف. اهـ.

.قال القرطبي:

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} أي لا تستحسن ما أعطيناهم ولا تَمِل إليه فإنه استدراج.
{إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا} قال الحسن: المعنى بإخراج الزكاة والإنفاق في سبيل الله.
وهذا اختيار الطبريّ.
وقال ابن عباس وقتادة: في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.
وهذا قول أكثر أهل العربية؛ ذكره النحاس.
وقيل: يعذبهم بالتعب في الجمع.
وعلى هذا التأويل وقول الحسن لا تقديم فيه ولا تأخير، وهو حسنٌ.
وقيل: المعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الدنيا لأنهم منافقون، فهم ينفقون كارهين فيعذّبون بما ينفقون.
{وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} نصٌّ في أن الله يريد أن يموتوا كافرين؛ سبق بذلك القضاء. اهـ.

.قال الخازن:

{فلا تعجبك} يا محمد {أموالهم ولا أولادهم} هذا الخطاب وإن كان مختصًا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المرد به جميع المؤمنين والمعنى فلا تعجبوا بأموال المنافقين وأولادهم والإعجاب السرور بالشيء مع نوع من الافتخار به مع الاعتقاد أنه ليس لغيره مثله وهذا يدل على استغراق النفس بذلك الشيء ويكون سبب انقطاعه عن الله فينبغي للإنسان أن لا يعجب بشيء من أمور الدنيا ولذاتها فإن العبد إذا كان من الله في استدراج كثر ماله وولده فيكثر إعجابه بماله وولده فيبطر ويكفر نعم الله عليه ولهذا قال سبحانه وتعالى: {إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا} فإن قلت كيف يكون المال والولد عذابًا في الدنيا وفيهما اللذة والسرور في الدنيا.
قلت: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.
وقيل: إن سبب كون المال والولد عذابًا في الدنيا هو ما يحصل من المتاعب والمشاق في تحصيلهما فإذا حصلا ازداد التعب وتحمل المشاق في حفظهما ويزداد الحزن والغم بسب المصائب الواقعة فيهما، فعلى هذا القول، لا حاجة إلى التقديم والتأخير في نظم الآية وأورد على هذا القول بأن هذا التعذيب حاصل لكل أحد من بني آدم مؤمنهم وكافرهم فما فائدة تخصيص المنافقين بهذا العذيب في الدنيا وأجيب عن هذا الإيراد بأن المنافقين مخصوصون بزيادة من هذا العذاب وهو أن المؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة وإنه يثاب بالمصائب الحاصلة له في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذابًا في الدنيا وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له وإنه ليس فيها ثواب فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والشدة والغم والحزن على المال والولد عذابًا عليه في الدنيا فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافقين في الدنيا دون المؤمنين.
وقيل: إن تعذيبهم بهما في الدنيا أخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل الله غير مثابين على ذلك وربما قتل الولد في الغزو فلا يثاب الوالد المنافق على قتل ولده وذهاب ماله.
وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه وحفظه والكره في إنفاقه والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده ثم يقدم في الآخرة على ملك لا يعذره {وتزهق أنفسهم} يعني وتخرج أنفسهم {وهم كافرون} والمعنى أنهم يموتون على الكفر فتكون عاقبتهم بعد عذاب الدنيا عذاب الآخرة. اهـ.